محمد منير   
 "يحكون في بلادنا، يحكون في شجن عن صاحبي الذي مضى وعاد في كفن"، هكذا تعامل الشاعر محمود درويش في قصيدته مع موت الأحباء والأصدقاء، الموت الذي تحول إلى حديث شجن بعد أن أصبح اعتيادا وقدرا يوميا لا تحكمه أسباب ولا منطق.
 معذرة.. اليوم أول أيام عيد الأضحى وكان من الواجب أن أبدأ بالتهنئة، ولكني حتما سأجد لديكم العذر فجميعنا نعيش مأساة واحدة، مأساة شعب أُحل دمه في كل الأشهر، مأساة شعب أصبح ذبحه أكثر وأسهل من ذبح أضحيات العيد.
النعاج والكباش تُذبح بمنطق وبأمر الله، ولكن أبناءنا وإخواننا وربما نحن نٌذبح غفلة بلا منطق وبلا مبرر فهل أمر الله بذلك؟، لو كان أمر الله، سترتفع رقبتي فوق كل الرقاب وتسبقهم لتستكين فوق المذبح بكل سعادة استجابة لأمر المولى، ولكنه ليس أمر الله بل هو عبث البشر وجبروتهم وضعفنا، حتى أصبح حديث الموت كما قال الشاعر حديث شجن.
دماء الفرح
لا أعتقد أن أحدا منا عاش اللحظات التي تعيشها عروس وعريسها فقدوا ذويهم في أعلى لحظة فرح في حياتهم، العروس تقول إن أباها كان يسير مع أمها بسيارة بجانب سيارة الزفة التي تقلهما وبجانبهما الأحباء والأقارب في ليلة الفرح الليلة الموعودة التي تحلم بها كل فتاة وشاب، والأب ينظر لابنته ويبتسم والأم تداري دموع الفرح وكلاهما يحلم بالحفيد المنتظر وعندنا في بلادنا يقولون "أغلى من الولد ولد الولد"، وبجانبهما الأقارب والأحباء الذين قدموا لا ليهنئوا فقط بل ليفرحوا جميعا، وفجأة يجتاح الجميع دائرة من الجحيم والنيران مع صوت انفجار يصم الآذان، وتمر دقائق ثقيلة تفصل بين مشهد الفرح والمشهد الأخير فتكتشف العروس احتراق الأب والأم والأقارب واختفاءهم بعد أن تحولوا جميعا إلى أشلاء ممزوجة بالدماء في الليلة الموعودة.. رحم الله الضحايا ولطف بالعروسين لا أعلم كيف ستمضي حياتهما وقد أصبح يوم ذكرى ليلتهما الموعودة هو نفسه يوم ذكرى ليلتهما المشؤومة
قهر الرجال
أتدرون ما هو قهر الرجال، أن يقف أبٌ باكيا باحثا عن جثمان ابنه الذي مات وهو بجانبه في لحظة فرح بزواج قريب أو قريبة نتيجة حادث قتل عبثي لا تعرف فيه من القاتل ولا القاتل يعرف من المقتول، وتكون أمنيته الوحيدة أن يكرمه بدفن بقاياه وأشلائه المبعثرة، وكأنه يستر لحمه وعرضه ليتفرغ لحزنه ومأساته التي ستلاحقه البقية من حياته، وبعدها تتحول مأساته إلى سلعة تدر ربحا سريعا على أولي الأمر الذين يستعرضونها وهم يتسولون الأموال.
عبث
وتتجلى أعلى مشاهد العبث عندما يخرج علينا فصحاء الدولة البكم، وغلمان الحكام ليقدموا التعازي المبررة بعبارات سخيفة لمواساة أصحاب المصائب مرددين: هم شهداء من أجل الوطن وضحايا الإرهاب الأسود والإخوان!
نفس العبارات السخيفة التي حملها خصيان الحقبة العقيمة لضحايا محطة قطار رمسيس، ولضحايا تفجيرات كمائن سيناء، ولضحايا الشرطة في الفيوم، تبرير واحد لعشرات الحوادث المتكررة بل ربما وصلنا للمئات، إنه الإرهاب وإنهم الإخوان، وأصبحت عبارة الإخوان الإرهابية مبررا لتهدئة نفوس الضحايا وكأنك تقول لهم قضاء الله وقدره فلا تحزنوا، فهل أصبحت كلمة الإخوان قضاء الله وقدره والتبرير الذي يعفي النظام الخائب الفاشل من مسئولية شلالات الدماء المتدفقة على أرض الوطن، وأصبحت أحاديث الموت والقتل أحاديث شجن يومية يتحدث بها الضحايا والجوعى والمرضى والفقراء والمقهورون والمظلومون، تلهيهم عن واقعهم المنهار.
الإخوان
لا أعلم من هم الإخوان.. هل هم جماعة الإخوان المسلمين الذين حكم عضو منهم مصر من عام 2012 لعام 2013 بعد انتخابات صحيحة وقبل الانقلاب عليه وقتل المئات من حزبه وسجن الالآف؟، أم هم الإخوان الشيوعيون القابعون في سجون الچنرال؟، أم هم الإخوان المسيحيون الذين أريقت دماؤهم في ماسيبرو ومنهم من يجلس الآن في السجون بجانب الإخوان المسلمين والإخوان الشيوعيين، أم هم الإخوان الملاحدة في الزنازين المجاورة، وغيرهم من فئة الإخوان، كثر كلهم في السجون متهمون بمساندة الإرهاب!، إذا كان كل هؤلاء إرهابيين، فمن هم المرهوبون؟
 المفترض من النظام أن كل هؤلاء مسؤولون عن عرقلة مسيرة الچنرال التي بدأت منذ أكثر من ست سنوات أريقت خلالها دماء المئات وربما الآلاف من المصريين، ومن بقى على قيد الحياة ذاق مرارة الفقر والجوع والعوز واليأس والقهر والقمع والمطاردة، إلا من رحم الچنرال من البطانة والمنتفعين والعبيد والقوادين الذين أخذوا في انتزاع بيوت وأرضي بسطاء الشعب ليبنوا عليها معسكرات الصفوة تفصلهم عن الشعب المسلوب المقهور الذي يعيش تحت وهم الأمن والآمان، يدفع كل يوم من أرواح أبنائه العشرات ثمنا لتصديق أكذوبة ووهم صدقوه وبايعوه.
لا أعلم كيف يقبل عقلي أن جماعة تم انتزاع الحكم منها بسهولة أكثر من سهولة عزل موظف حديث التعيين، تقوم بكل هذا الإرهاب، ولكني سأتجاوز وأسلم بأن الأمر كذلك، لماذا لم يستطع الچنرال إيقاف الإرهاب وتوفير الأمن والأمان للمصريين وهو الهدف الذي بسببه تم عزل الرئيس السابق بعد عام من حكمه بسبب حادثين إرهابيين، ست سنوات من حكم الچنرال ومئات حوادث الإرهاب والإهمال والفقر والجوع والمرض وفقدان مئات الأرواح إما نتيجة الحوادث الإرهابية أو نحر في السجون أو انتحار هربا من قسوة الحياة، أي مكيال أو معيار يجعلني أعزل مسئول بعد خطأين وأؤيد وأبارك وأهيم عشقا في مسئول يرتكب آلاف الأخطاء القاتلة.
  رفضنا حكم الرئيس المنتخب من أجل حادثين إرهابيين، وأيدنا وباركنا ورقصنا لحكم الچنرال الذي كافأنا بالمرار، مرار الخوف والقتل والجوع والفقر.
  يا حاكم مصر لا أتحدث عن شرعيتك، ولن أنكرها، ولكن لا شرعية لك إن لم توفر لنا الأمن والأمان والحياة الكريمة هذا هو دورك، وليس الدور الذي تقوم به الآن وقد تحولت لشاعر ربابة يرثي ضحاياه ويبكيهم ويتسول بآلامهم ومآسيهم، ويطالبهم بمزيد من المبايعة والتأييد.
الإعلام المربوط
التقاعس الإعلامي والعجز والارتباك ظهر بوضوح في حادث التفجير الأخير، واندهش الجميع، ولم أندهش أو أتعجب، فهذا أمر متوقع في ظل حالة القمع والمطاردة والتضييق على الإعلاميين، عادل صبري لرئيس تحرير مصر العربية يدخل عامه الثاني وراء القضبان لأنه نشر تقريرا إخباريا مترجما عن جريدة أجنبية حول الرشاوى في انتخابات الرئاسة، أسماء كثيرة من الإعلاميين وراء القضبان منذ أكثر من خمس سنوات، حملات القبض والمطاردة للإعلاميين تتم بشكل يومي، التضييق على الإعلاميين وفصلهم من عملهم أصبح سلوكا اعتياديا يقع على أي إعلامي ليس فقط معارض وإنما أيضا لمن هو أداؤه في الدعاية للسلطة أقل مستوى مما هو مطلوب منه!! الأسبوع الماضي تم القبض على صحفي ومصور صحفي لأنهما كانا يقومان بتحقيق صحفي عن أسعار الماشية، ولا أعلم متى حصلت الماشية على حصانة مثل نواب الشعب؟!، لهذا لم أندهش من حالة الإحباط التي أصابت الإعلاميين وتقاعسهم عن متابعة الحادث خاصة أن نشر إنتاجهم وشهادتهم حول الأحداث أمر خارج سلطاتهم وقدراتهم.
قدر الفقراء
وقدر فقراء بلادي أن يكونوا وحدهم ضحايا كل المصائب سواء كانت إرهابا أو إهمالا أو فسادا، من يريد أن يفسرها بالصدفة فليفعل ويُرح ضميره، ومن يؤرقه ضميره فليفكر ويبحث ولا يخشَ في البحث عن الحق لومة لائم.
 من يؤرقه ضميره من الإعلاميين عليه أن ينفض عنه اليأس والإحباط ويبحث عن الحقيقة ويكشفها للجميع ولو بالكتابة على الجدران أو الأسفلت، أو على ما أنعم به علينا المولى من وسائل التواصل الاجتماعي.
علينا أن نكف عن البحث عن من هو الفاعل ونُحمل الحاكم ونظامه مسئولية الفشل عن توفير الأمن والأمان وعن الدماء المراقة على أرض الوطن، فلتتوقف الفضائيات عن التناحر حول المتسبب والمسئول والإخوان والمعارضة والعسكر، ولنتحدث كلنا في اتجاه واحد يتلخص في سؤال واحد "أين الأمن والأمان الذي وعدت به منذ 6 سنوات" فإن لم نجد إجابة ولن نجد، فلنقل له قولا مشفوعا بالفعل ما قيل لسابقه، الذي لم يصل إلى هذا المستوى من التردي "مش أد الشيلة ماتشلش".. ارحل.
إما أن نكون ونحيا، أو نظل نبكي ونرثي موتانا وننتظر دورنا في القتل أو كما قال الشاعر محمود درويش:
" يا أمهلا تقلعي الدموع من جذورها... خلي ببئر القلب دمعتين!
فقد يموت في غد أبوه... أو أخوه.. أو صديقه أنا
خلي لنا ...للميتين في غد لو دمعتين... دمعتين!"  
كل عام وأنتم بخير بمناسبة يوم النحر أعاده لله عليكم بسلام وخير ناحرين غير منحورين.