تم نشر هذا المقال مساء الأحد الموافق 18أغسطس 2019 على موقع الجزيرة مباشر (أدخل) 

محمد منير 
شهد هذا الشهر الذكرى السادسة لمذبحتي رابعة والنهضة، والأكثر بشاعة في سلسلة مذابح الفاشية في مصر بعد ثورة الشعب 2011. ونميز منهم أربع مذابح رئيسية: "ماسبيرو" أكتوبر/تشرين الأول 2011، و"محمد محمود" نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وبعد ذلك بعامين مذبحتي رابعة والنهضة في أغسطس/آب 2013. وما قبلهما وما بينهما عدة مذابح صغيرة مثل: مذبحة أمهات المعتقلين أمام مسرح البالون، وغيرها من أحداث عنف واعتداءات على المتظاهرين، ولا ننس بالطبع مجزرة بور سعيد في فبراير/ شباط 2012 والتي أسفرت عن قتل 72 شابا من المشجعين، وما زالت ملابسات هذه المذبحة غامضة وبها ملامح تورط لبعض القيادات الأمنية.
بمباركة الإخوان
المذبحتان الأوليان عرف عنهما أنهما كانا ضد القوى المدنية والأقباط بمباركة الإخوان وفرق الإسلام السياسي، وهو ما رأه بعض المحللين السياسيين السبب في تفريغ ساحة التنافس وقصرها على الإخوان ورموز النظام الحاكم، وحول فرق القوى المدنية إلى فقاعات تحالفت عليهم ضربات الإسلاميين ورموز الدولة العميقة، وهو ما انتهى بإعلان فوز جماعة الإخوان في الانتخابات وتنصيب محمد مرسي رئيسا على البلاد في يونيو/حزيران 2012 وسط هذه الانقسامات في جموع الشعب، والذي من المفروض أنهم حماة الاختيار الديمقراطي، وظل مخطط الدولة العميقة والعسكر مستمر في مساره بتوسيع الهوة والصراع بين القوى المدنية والرئيس المنتخب وجماعته، باستخدام أدوات احترافية ومهارات وخبرات مدروسة، مستندا على ارتباك الرؤية التحليلية في معسكر القوى المدنية وهو الارتباك المدعوم برغبات انتهازية في القفز على الحكم بصرف النظر عن الخيار الديمقراطي ..
وبالطبع دعم العسكر بأجهزتهم المخابراتية هذه الرغبات غير الشرعية، وعلى الجانب الآخر كانت فرق أخرى تبث داخل جماعة الإخوان مخاوف من القوى المدنية، وتقنعها بأن الحفاظ على الخيار الديمقراطي وحكم الإخوان لن يتم إلا بتسليم كل مفاصل الدول الرئيسية للجيش والشرطة، أو تحديدا لقطاع داخلهما استطاع أن يضع نفسه في مقدمة المشهد، وهو القطاع الذي خرج منه الجنرال (بنكهة الثورة) وزير الدفاع، والجنرال وزير الداخلية، وهما اللذان قادا الانقلاب والإطاحة بالرئيس المنتخب، وتنفيذ مذبحتين من أبشع المذابح التي شهدها التاريخ المصري، مستغلين مباركة القوى المدنية المدفوعة بالذكريات المؤلمة لمحمد محمود وماسبيرو، ومشاهد الوقيعة التي نسجتها قوى الانقلاب، وساعد في ذلك سذاجة وقلة الخبرة السياسية لجماعة الإخوان، والمرض المزمن المصابة به وهو تقديم مصالح الجماعة على الوطن حتى ولو بالتحالف مع العسكر الذي ابتلع الفريقين واستلقى على سدة الحكم مدعوما بتأييد شعبي ما بين مخدوع أو مشترٍ، وخاصة أن أجهزة الدولة الرئيسية وفي مقدمتها الداخلية والجيش ساهموا في رسم هذا المشهد، بإمكانيات تفوق إمكانية جماعة الحكم آنذاك، والتي وصلت للحكم غير مدعومة بخبرات أو رؤية واضحة، والنتيجة الأخيرة عود على بدء وضياع حلم الحكم المدني.
عناد الأغبياء
وكل عام في مثل هذا التاريخ تحتفل فرقة رابعة والنهضة من جماعة الإخوان ومجموعة أنصار الشرعية التي نشأت بلا رؤية سياسية بعد المذبحة، تحت دعوى الدفاع عن الشرعية، وتجاوز دورها وتأثيرها تأثير أعضاء الجماعة في الخارج والداخل وأصبحوا يتحكمون في مسار حركة المعارضة الإخوانية إما بالابتزاز أو بالضغط، المهم أنه خلال الست سنوات كان دائما الغضب يسير في نفس الاتجاه الغبي الذي دمر التجربة الديمقراطية في مصر، فهذه المجموعة توجه حقدها وكراهيتها بل وكل جهدها الإعلامي ضد القوى المدنية بدعوى الصمت على مذبحتي رابعة والنهضة، وبالطبع ترد لهم القوى المدنية نفس الاتهام بنفس الادعاء في ماسبيرو ومحمد محمود، والنتيجة ليست فقط الثبات في المكان، بل اتساع الهوة بين قوى المعارضة، وانهيار أي أمل شعبي في خروج رؤية ثورية للتخلص من الحكم الفاشي، هذا بالإضافة إلى أن الطريق أصبح ممهدا لممارسة كل أنواع العنف والانتهاكات على الشعب سواء من الناحية المعيشية أو الأمنية والسجن والقتل والاختفاء القسري.
وحتى عناصر الجماعة القدامى لا يتعدى تحركهم ورؤيتهم النواح الذي أصبح عادة تاريخية مثل نواح وبكاء اليهود عند حائط المبكى!
وهذا ليس جديدا عليهم فطوال الوقت لم تقدم أي من القوى المدنية أو الإخوان رؤية سياسية واقتصادية، وكنت أندهش عندما كان المعارضون يتهكمون على عبد الفتاح السيسي أنه لم يقدم برنامجا رئاسيا واضح للرئاسة عند ترشحه، وهم لم يفعلوا، بل على العكس كانت انتهازية الطرفين ورغبتهم في الفوز بالحكم تجعلهم غير واضحي الرؤية في بعض القضايا مثل اتفاقيات الصلح مع إسرائيل وطبيعة ونظام الحكم من الناحية الاقتصادية رغبة في جمع كل الدعم من الجيش والقوى الدولية، وعدم الرغبة في دخول صراعات تعيق مشروع كل فرقة وأطماعها.
الدروس المستفادة
ربما لن أتطرق بعمق في الدروس المستفادة، ولكني أقترح منهجا يلزم كل من يتعرض تاريخيا للمذابح، أن يبحث في الأسباب والأخطاء والخطايا، بهدف خلق رؤية عملية ثورية للتخلص من الحكم الفاشي.
ولكني أحب أن أنوه إلى أن العسكر ليسوا مسؤولين عن هذه الانقسامات بل إن هذه الانقسامات موجودة بين قوى المعارضة بكل أشكالها بحكم نشأتها المبتسرة والمشوهة، العسكر فقط استخدموا ببراعة الطريق الممهد أمامهم ولعبوا عليه وعمقوه.
المذابح قدر البشرية
ذبح فرعون الأطفال ليتجنب ما أخبره به الكاهن من أن نهايته على يد طفل من بني إسرائيل مولود في نفس العام، وأراد المولى أن يضرب مثلا للجهاد ومواجهة الظلم بدلا من التوقف عند المذبحة وتحويلها إلى بكائية وذكرى حزينة، فكانت قصة سيدنا موسى التي انتهت بغرق فرعون، وكان الله قادرا على إهلاكه دون هذه الملابسات التي وضعها الله في قصص تحمل من الدروس والعبر ما تعتبر خريطة طريق للمؤمنين.
حرق نيرون روما عام 64م ولم تكن هذه هي المذبحة الوحيدة لنيرون ولكنها المذبحة الأبشع، ولم تتحول محرقة نيرون لبكائية للرومانيين، بل عجلت بحصار نيرون وانتحاره عام 68 م
لم يكن هناك أبشع من سجن الباستيل في فرنسا وكان مجزرة للمعارضين وشهد سجن وموت قادة سياسيين ومفكرين، ولم تتحول بشاعة الباستيل إلى مواويل حزينة وبكائيات، بل كانت دافعا لأكبر ثورة حققت مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية، واقتحم الثور الباستيل وأصبح سجناء الباستيل قيادة الثورة.
دعونا نسأل هل العلة تكمن في تعاملنا العاطفي مع المجازر والمذابح وفاشية الدولة ؟... لا أعتقد، العلة في عدم صدق نخبة المعارضة المبتسرة والمشوهة في التغيير، والافتقار الصادق لمعني الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ولهذا طوال الوقت كانت الخلافات بين المجموعات المعارضة المختلفة مقدمه عن الخلاف مع السلطة الفاشية الظالمة، والأمثلة كثيرة، ولكني كما قلت لن أتعرض ولن أستطيع في مقال واحد أن أجمع الدروس المستفادة من مأساة ما بعد 2011، وهوما يجب على الجميع البحث عنه وقرآته بصدق ولن يفعل ذلك سوى أصحاب المصلحة من الجيل الجديد بعيدا عن نخب المعارضة المبتسرة والمشوهة.. وحتما الحوار لم يتوقف، ولكن أرجوكم لا تشغلونا بالبكاء والنواح والاختلاف ودعونا نبحث عن مخرج، فلا يوجد بيننا برئ.