محمد منير
الأسبوع الماضي كان المؤتمر السابع للشباب في مصر، ومشهده الرئيسي يتعلق بلقاء الجنرال مع الشباب، وممارسة حوار عاطفي أبوي حنون معهم في تأكيد تمثيلي على مثالية الحياة في مصر وصعودها وتجاوزها أزمات الماضي.
ومع انحيازي القديم للقاءات الشباب من خلال مؤتمرات عالمية، إلا أن الأمر بالنسبة لي كان يتعلق بملتقيات بين شباب العالم من كل الفئات لتبادل الخبرات المجتمعية والتعرف على ثقافات الشعوب المختلفة، وكان هذا دائما مفيدا وخاصة في مرحلة ما قبل ثورة الاتصالات التي سهلت هذه اللقاءات وتبادل الخبرات من خلال الوسائل الإلكترونية، أما محتوى مؤتمرات الجنرال فيختلف عن ما كنت أتحدث عنه.
سألني زميل ما غرض الجنرال من هذه المؤتمرات بينما الواقع الفعلي متناقض مع الصورة الوردية في هذه اللقاءات ويشاهدها الشعب الذي يعيش واقعا مغايرا، ولماذا هذا الاستفزاز؟
يا صديقي في تاريخ العالم الحديث كانت الطبقية في المنطق العام تتحدد بحجم الملكية وتكدس الثروة، أما في مصر فقد ارتبطت الطبقية بشكل كبير بالحكم والسلطة، وكان العنصر الأساسي المكون لهذا الوضع هم المماليك، الذين شكلوا حالة وفلكلورا للحكم امتدت حتى يومنا هذا، ولهذا فطوال الوقت تقف قوة المال في مرتبة تابعة للسلطة ومؤيدة لها، وكلاهما يقف مع الآخر في تحالف أزلي ضد قوة الشعب الوهنة بحكم فقرها وانهيارها وتدني وعيها السياسي بفعل تراكم الاستبداد الذي سببه فلكلور الحكم المملوكي الممتد حتى الآن.
المستبدون يسعون دائما لإيجاد ظهيرا شعبيا لهم، وغالبا ما يكون كرتونيا أو وهميا أو مصطنعا بلا محتوى، ويستخدمونه في الدعايات الصاخبة لحكمهم المستبد والتدليل على عدله في محاولة لإيهام الرأي العام الداخلي والخارجي بشعبيتهم، رغم أن كل الأطراف مدركة حقيقة المستبد وفساده، إلا أن الجميع يقبل هذه المشاهد الهزلية للحفاظ على توازن العلاقات التي تحكمها في الحقيقة مصالح عملية وانتهازية، قائمة كلها على استغلال الشعوب الواقعة تحت حكم المستبدين، ويعانون من سلبية وضعف تجعلهم مستسلمين لهذا الوضع، ولهذا فجميع الأطراف التي تستفيد من المستبد دائما ما تكره ثورات الشعوب وتمردهم وتحاول إلباسها رداء الفوضى والإرهاب، ولهذا أيضا انتهى عهد الاعتماد على ضغط الرأي العام الخارجي في مساندة الشعوب المظلومة، وأصبح التحرر من الاستبداد مرهون بحركة الشعوب المقهورة نفسها وتضامن الشعوب الأخرى معها وليس الأنظمة.
ما علينا، وليرجع مرجوعنا لموضوعنا، الجنرال يحتاج لخلق شعبية متجددة لحكمه، والشعبية المتجددة لا تكون إلا بضمان تأييد الشباب، وبالطبع في مجتمع يسوده الفقر والاستبداد والقمع والظلم، لا بد من خلق فئات شبابية مؤيدة مصطنعة لخلق سياج من الشرعية حول النظام المستبد، وهذا تماما ما يفعله الجنرال ومن قبل فعله البعض من المستبدين ربما بصور مختلفة ولكن بنفس الهدف والمحتوى ومنهم الطاغية الروماني «تشاويسسكو»، الذي كان يجمع الأطفال اللقطاء من أنحاء البلاد ويربيهم تربية عسكرية في معسكرات داخلية ليصبحوا جنودا بلا أهل ولا ولاء إلا للأم رومانيا والأب «تشاويسسكو» ينفذون ما يأمرهم به حتى لو قتل المعارضين من الشعب، ورغم ذلك لم يصمدوا أمام الثورة الشعبية الجارفة التي انتهت بإعدام تشاويسسكو وزوجته، وفعلها أيضا من قبل محمد على عندما كان جنوده يخطفون أبناء الفقراء ليربيهم تربية عسكرية في معسكرات تابعة لهم لينشأوا على الولاء والطاعة لهم، وقبل كل ذلك كان استقدام المماليك لمصر لخلق حماية قوية منهم تحيط بالنظام المستبد وتحميه من حركة الشعوب، ولكنهم تحولوا إلى طبقة في ذاتها تنشد الحكم، وأفرزت تراث وفلكلور سلبي ممتد في علاقة الشعوب بالحكم والانسحاق والاستسلام، وهنا مربط الفرس.
الاستقواء الطبقي
إلا أن جنرال مصر كان له نمط مختلف، وهو تقوية بنيان الطبقية في مصر وتحويلها إلى سياج حماية للحكم ولرجال الأعمال ورجال السلطة وكأنه يبني قلعة أو حصن حصين، يحتمي بها وتفصل بينه وبين مواطن معيشة بقية الشعب التي تتحول إلى ما يشابه معسكرات إقامة العبيد الذين يخدمون الصفوة داخل القلاع والحصون.
وهذا يفسر لغة التعالي من الجنرال التي يخاطب بها بسطاء الشعب من أنهم فقراء بسبب كسلهم، وأنهم مبالغون ومفرطون في الاستهلاك ومبذرون، بل إنه يعلنها صراحة أنه شعب لا يستحق التعليم والرعاية والحماية والعيشة الكريمة ونتذكر من عبارات الجنرال التي تؤكد هذه المعاني والتوجهات (ماذا يفيد التعليم في وطن ضائع – أنتم فقراء قوي - أحاديثه الدائمة عن الاستهلاك – لماذا أدفع ملايين في صيانة القطارات والأفضل أن أستثمرهم في البنوك - وغيرها كثير) وفي لقائه الأخير مع الشباب المنتقى في مؤتمره السابع، يدلل الجنرال على أن ارتفاع مستوى معيشة الشعب بأن حجز الشقق الخاصة بمحدودي الدخل قد نفذ بسرعة، وهو ما يشير إلى أن الشعب يمتلك نقودا!!، وكأنه أنشأ هذه الشقق السكنية لمحدودي الدخل لكي يعجزوا عن الحصول عليها؟!، أو كأن محدودي الدخل لا يستحقون دعما، من نتاج كدهم وعملهم، والذي يصب معظمه وإن لم يكن كله في معسكرات الصفوة.
الجنرال يعتبر أن صيانة القطارات التي يموت في حوادثها الآلاف من فقراء المصريين، ليس بينهم واحد من الصفوة، نوع من التبذير ويستخسر صرف جزء من نتاج عملهم وشقائهم على صيانة القطارات وحمايتهم، ويعتبر أن استهلاك المواد الغذائية هو نوع من الترف والتبذير، بغض النظر عن حالات الانتحار المتكررة بسبب الفقر والجوع وضيق الحال واليأس
الجنرال ينظر إلى فتات الفقراء باعتبارها ترفاً، بينما يغض البصر عن حياة الأساطير التي يعيشها رجاله ورجال الأعمال في المدن الساحلية، بل وداخل العاصمة نفسها في الكمبوندات التي تتراص فيها القصور بالملايين من الجنيهات، وحمامات السباحة الخاصة، بينما يعاني الأغلبية الفقيرة من العطش وانقطاع المياه، مدن تجاوزت مدن الخيال وألف ليلة وليلة أسسها وزراء ورجال أعمال مثل ماونتن فيو، ومراسي، ومارينا وغيرها لا أعلمه.
المدهش أن الجنرال في ظل كل هذا يضاعف الضرائب والرسوم والأسعار على الفقراء، لتستمر حركة النهضة والصعود والتشييد والبناء في معسكرات الصفوة.
شباب الوطن أم شباب الصفوة
النماذج التي يكرمها الجنرال في مؤتمراته، بطلة فروسية، متسلق جبل إفرست، عازف بيانو، وحتى عندما أرد أن يضيف مشهد اهتمامه بالفقراء قدمت المذيعة فتاة وعرفتها ببائعة الفول في الحارة التي تسعى لتكون إعلامية، وظهرت فتاة أنيقة تمشي تجاه الجنرال بخطوات أرستقراطية مدربة ذكرتني بشويكار في مسرحية سيدتي الجميلة، وتدور حول تحويل فتاة من البسطاء إلى فتاة أرستقراطية من خلال تغيير مظهرها الخارجي، مشاهد تمثيلية سخيفة بها استخفاف واستهتار بالقوم.
هل يتصور الجنرال أن الذين يخاطبهم إعلامه ومؤتمره لا يدركون أن هناك شبابا ملقى في السجون بسبب امتلاكه رؤية للنهوض بالوطن وتحريره، رؤية حقيقية وليست تمثيلا هزليا مثل المحاكاة السخيفة في المؤتمر بين الجنرال والشباب في محاولة لإقناع الرأي العام بأن هذه هي المشاركة المجتمعية في الحكم!! قمة الاستخفاف.
الجنرال يستضيف بطل فروسية ومتسلق جبل أفرست ومغنية أوبرا باعتبارهم شبابا مجاهدا، هل يسمح لي الجنرال أن أضيف إليهم أطفالا ضربوا الرقم القياسي في الجري في الشوارع لبيع مناديل أو لتنظيف السيارات من أجل إيجاد قوت يومهم... هل يسمح لي الجنرال أن أضيف لقائمة التكريم الشاب الذي انتحر لأنه لم يتحمل سماع بكاء أبنائه من الجوع...هل يسمح لي الجنرال أن أضم لقائمة المكرمين السيدة التي تأكل من أكوام الزبالة لأنها تخجل من أن تطلب لقمة من أحد...هل يسمح الجنرال لي أن أضم للقائمة الشاب الفقير الذي حصل على مجموع 95 في المائة في الثانوية ولم يتمكن من دخول الكلية التي يريدها، بينما زميله ابن الصفوة الحاصل على مجموع أقل يلتحق بأي كلية بمصاريف باهظة، وبالطبع سيحظى بأرقى وظيفة ومنصب بعد التخرج، وسيظل ابن الفقراء أسير قيود الطبقة.
المتاجرة بالمعوقين
الاهتمام بالمعاقين وأصحاب الحالات الخاصة أمر إنساني محمود وكل العالم يسعى لذلك الاهتمام، ولكن ما يفعله الجنرال أنه يقدمهم، وكأن أي مهارة يقومون بها هي نتاج إنجازات حكمه، وللتدليل على إنسانيته من خلال بعض المشاهد التمثيلية السخيفة الأقرب للحالة الكوميدية من الحالة الإنسانية.
ربما يختلف معي البعض ويرون أن الجنرال لا يميز بين شباب الوطن، أقول لهم لو كان الأمر كذلك، هل يمكن للجنرال أن يستضيف الشباب المعارض في السجون في محاكاة علنية على الهواء ليسمع رؤيتهم ويتناقش معهم. أليس أبناؤنا في السجون هم أيضا من شباب الوطن يستحقون أن نسمع أراءهم؟
يا الله إلى من تكلنا ؟!!


0 تعليقات