ده مقالي المنشور على موقع الجزيرة مباشر يوم الأحد 28 يوليو 2019،وأنشره على مدونتي لعدم قدر البعض في مصر الدخول على موقع الجزير مباشر 


صعب جدا ما يحاوله الجنرال الرئيس للإيحاء بالتطابق أو التشابه الإيجابي بين عسكر يوليو وعسكر يونيو، ونفس الصعوبة ما يحاوله معارضين الجنرال الرئيس من إثبات التطابق والتشابه السلبي بين عسكر يوليو وعسكر يونيو.
طوال الأيام القريبة من 23 يوليو وحالة من التأهب الإعلامي الذي يجتر ذكريات الاحتفالات بهذا اليوم وخاصة في الستينيات واستدعاء الأغاني والأعمال الفنية المتعلقة بالترويج للثورة واستنفار مشاعر المواطنين بأسلوب يوحي بأن جنرالات الواقع يستكملون ما تروج له الأغاني من إنجازات لجنرالات الماضي، وهو أمر يجعل من أحداث ومناخ مضى عليه أكثر من 50 عاما قاعدة يستند عليها نظام عسكري حالي يفتقد للأساس وهش البنيان.
وفي نفس التوقيت حالة من الانتقاد اللاذع من المعارضين لثورة يوليو، ونفي الثورية عنها ودمجها في معنى واحد مع انقلاب 30 يونيو، واستند أصحاب هذه الحالة على عداء تاريخي مع جمال عبد الناصر وعداء حالي مع الجنرال الرئيس، وأغلب أصحاب هذه الرؤية من جماعة الإخوان، وبعض جماعات الإسلام السياسي، ويهمني أن أوضح أنني في مقالي لست بصدد تقييم صحة أو عدم صحة هذه الرؤية وهذا الخلاف حتى لا يتوقف عنده القارئ.
الحقيقة أن التحليل السياسي الصحيح لا يتوقف عند محدد واحد يفرض تقييم ورؤية واحدة ثابته للأحداث، بل على العكس يتميز العقل السياسي بالمرونة، وعدم تنميط الأحداث في قوالب ثابتة لا تتأثر بالمتغيرات الزمنية، ولا تتأثر بالتراكمات والخبرات التاريخية، ولكنه يفصل رؤياه للأحداث طبقا للمتغيرات والخبرات، وبلغة أخرى يحدثها تاريخيا وموضوعيا.
الثورة والانقلاب
بعيدا عن العاطفة التي قدست كلمة ثورة وشيطنت كلمة انقلاب، فالكلمتان لا تخضعان لمعيار أخلاقي ما بين إيجابية المعنى وسلبيته، ولكن لهما معايير سياسية واقتصادية بعيدا عن الخواطر والنوايا، فلا الانقلاب رجس من عمل الشيطان، ولا الثورة فعل منزه هابط من السماء.
المعاني ترتبط بسياق ومحتوى، ولا يوجد حاضر يتطابق مع ماض، أو كما يقول المصريون في هذه الظروف نقلا عن أغنية أم كلثوم: "وعايزنا نرجع زي زمان، قل للزمان ارجع يا زمان"، والزمان يا سادة لا يرجع أبدا، ولهذا معنى الثورة يرتبط بمحتوى ما حدث في زمن هذه الثورة، وهذا المحتوى الذي يحدد أحقية حصول الحدث على صفة الثورة أو عدم أحقيته، يرتبط بمفاهيم وثوابت سياسية واقتصادية بصرف النظر عن تأثير هذه الثورة على شعوبها إيجابا أو سلبا، فالتعريف والتوصيف لا يتعلقان بالنتائج.
حركة الضباط قامت في 23 يوليو 1952. وفي 9 سبتمبر/أيلول من نفس العام أعلنت الحكومة المصرية قانون الإصلاح الزراعي الذي أعادت من خلاله توزيع ملكية الأراضي الزراعية، ومنذ هذه اللحظة أصبح التعريف الصحيح لحركة يوليو «ثورة» طالما نتج عنها إعادة توزيع الملكية والثروة، وتأكد التوصيف بعد ذلك بستة شهور وتحديدا في يونيو 1953 عندما تغير نظام الحكم من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري.
إذن الأمر يتعلق بمفاهيم وتعريفات، أما الأحكام بإيجابية الثورة أو سلبيتها أو حتى شرعيتها فهذا أمر خاضع للتقييم الموضوعي ومعياره يتعلق بالشعب والوطن كله، وليس بمصلحة جماعة أو حزب أو مجموعة أو أيدلوجية، ولهذا فالإبحار في التفاصيل التاريخية في هذه الفترة يكشف لنا عن مجموعات وجماعات تذبذب موقفها من الثورة ما بين مؤيد ومهاجم حسب ما كان يتحقق لهذه المجموعات من مصالح لها أو تتعارض معها، ولهذا تحولت العلاقة بين هذه المجموعات والثورة إلى صراع دموي عنيف وسجون وتعذيب بل وقتل، وهو ما كون رؤية سلبية ثابته من هذه الجماعات تجاه الثورة حتى الآن، ولكنها رؤية تتعلق بالعلاقة الذاتية بين مصالح هذه الجماعات والثورة وليست علاقة الشعب بالثورة، هي نتائج سلبية لاتفاقات فوقية بين أطراف لم يكن الشعب ضمنها.
وما حدث من نتائج للثورة كما قلت أمور اختلفت حولها التقييمات ما بين نجاحات في توزيع الثروة المكدسة، وإتاحة فرصة الحياة الكريمة لأغلبية معدمة، وتحرير البلاد من الاستعمار، وإقامة نهضة صناعية كبرى، أو سلبيات رأها البعض في قمع الحريات، وفتح جبهات عدائية مع دول الغرب، وانتهاك الحياة الديمقراطية بشكل تسبب في انهيار كل الإنجازات التي حققتها الثورة باعتبار أن الديمقراطية والمشاركة الشعبية هما الضمان الوحيد لاستمرار الإنجازات وتوازن المجتمع، وهو ما دفع ببعض المحللين السياسيين إلى تحميل هذه السلبيات مسؤولية الردة الوطنية التي حدثت بعد ذلك في الصراع العربي الإسرائيلي، نتيجة ترسيخ حكم الفرد وعدم الالتزام بمبدأ إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
خبرات شيوعية
روى لي قائد شيوعي راحل أثناء وجودنا في زنزانة من زنازين الاعتقال السياسي، أن بعض الشيوعيين اختلفوا مع بعض حول تقييم سلطة يوليو لحظة مواجهة مع إسرائيل، فرأى البعض أنها سلطة خائنة لمصالح الشعب طالما هي تسجن المعارضين وتنحرف عن المسار الديمقراطي، ورأى البعض الآخر أنها سلطة وطنية طالما تتناقض مع الإمبريالية والصهيونية، وأن الانحراف عن المسار الديمقراطي ما هو إلا سلبيات أما التناقض مع الإمبريالية والصهيونية فأمر يحتم على الشيوعيين أن يهتفوا للثورة وتأييدها.
والحقيقة أن الشيوعيين كانوا يستخدمون منهجا في التحليل يعتمد على معيار موضوعي مقياسه مصالح الطبقات الشعبية وليس مصالح الجماعات السياسية.
الانقلاب
وكلمة انقلاب أيضا تتعلق بالمحتوى والمضمون حيث ترتبط بالتغيير الفوقي لأدوات الحكم وأشخاصه دون تغيير طبيعة نظام الحكم، أما سلبياته وإيجابيته فهو أمر يخضع أيضا لمعايير تحددها الشعوب وواقع كل انقلاب ومحتواه وأهدافه.
اختلاف صفات العسكر
وأعود إلى محاولات الجنرال الرئيس ورجاله للإيحاء بتطابق وتشابه النظام العسكري الحاكم ما بعد 30 يونيو 2013 و23 يوليو 1952، والحقيقة هي محاولات ساذجة تجاهلت الفروق الكبيرة سواء في الموضوع أو الزمن أو حتى الخلفية الثقافية والعقائدية للعسكر عبر أكثر من ستين عاما:
         -ارتباط العسكر بالشعوب بعد الحرب العالمية الثانية كان ارتباط يتعلق بحالة وطنية تستهدف التخلص من التقسيمات الاستعمارية للشعوب ولهذا توحدت الشعوب مع الجيوش في كيان واحد وهدف واحد، ولهذا لم يكن الحكم العسكري نغمة نشاذ في ذلك الوقت، كما أن طبيعة العسكر كانت منحازة لمصالح الشعب بكل طوائفه، عل عكس طبيعة العسكر الآن حيث تحولت الفئات العسكرية إلى طبقة متميزة تتعارض مصالحها مع مصالح الطبقات والفئات الشعبية، وتنحاز بشكل كبير إلى الحكم الذي يوفر لها الامتيازات ويحقق مصالحها المنفصلة عن مصالح الشعب، لهذا فهى غير مؤهلة لحكم يستهدف الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة.
 -          كما أن وجود العسكر في الحكم في معظم بلاد العالم كان وجودا مؤقتا لإنجاز مهام مرحلة، وبعد انتهائها عاد العسكر إلى دورهم المؤسسي الطبيعي، وهو ما لم يحدث في مصر وفي كثير من الدول العربية، ليس بسبب وجود ضرورة لاستمرارهم، وإنما بسبب تحول عسكر الحكم في هذه المناطق من تكوين مؤسسي إلى طبقة حاكمة، لها مصالحها التي تناغمت مع العديد من المخططات الدولية لإعادة الهيمنة الغربية على المنطقة العربية وتحويل نظم الحكم فيها إلى نظم تابعة لها.
 -          وحتى التكوين الثقافي والعلمي لعسكر ما بعد 23 يوليو كان مختلفا عن التكوين الثقافي والعلمي لعسكر ما بعد 30 يونيو، والذي تأثر بالتدهور العلمي والثقافي العام في البلاد، ونستطيع أن نرصد العديد من الفنانين والمثقفين والأدباء من فئة العسكر ما بعد 1952 مقابل فقر شديد في هذا المجال لدى عسكر الحاضر.
باختصار لا يمكن أن نطابق أو نشابه بين مواصفات عسكر ما بعد 30 يونيو 2013 المنحازين للحكم والمعادلات الدولية وعسكر ما بعد 23 يوليو 1952 المنحازين لحركة التحرر الوطني الصاعدة والمعادلات المحلية، كما أننا لا نستطيع أن نطلق حكما موحدا عليهما، لكل منهما زمانه وأحداثه وظروفه المختلفة، الشيء الوحيد الواضح أمامنا هو واقعنا بكل ما فيه من مشكلات ومآسٍ.