محمد منير
«راعوا الناس في اللى حواليكم»، الكلمات الأخيرة للشاب نادر الذي انتحر بعد أن ألقي نفسه بثبات نادر من أعلى برج القاهرة بالجزيرة.
ومن قبل انتحار نادر شهدت مصر العديد من حالات الانتحار، وكان عدد منها ما بين قضبان وعجلات «المترو» الحديدية، وشهدت الساعات القليلة بعد انتحار نادر حالتين انتحار لشاب ألقى بنفسه تحت عجلات «المترو» بمحطة أرض المعارض، وممرضة بمستشفى بمحافظة كفر الشيخ، ومعظم المنتحرون من الشباب، والمسافة الزمنية بين حالات الانتحار قريبة مما يدل على ارتفاع حالات الانتحار بين الشباب المصري في الفترة الأخيرة، ورغم ردود الأفعال الإنسانية أو الغاضبة أو الحزينة حول هذه الحوادث، إلا أن الأمر كله لم يحرك مشاعر أي مسؤول في الدولة ليعمل عقله أو ضميره تجاه البحث عن الدوافع الحقيقية التي دفعت هذا العدد من الشباب لهذا الفعل الاحتجاجي في هذه الفترة الزمنية المكثفة وأقصد الانتحار، فقد تحصنوا جميعا ببلادة وقلة ضمير غير مسبوقين، وأتذكر في وصفهم أبيات للشاعر العراقي مظفر النواب قال فيها:
«لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم
إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم
لا تهتز لكم قصبة»
وفي نفس الوقت تزداد نبرة رجال الدين ارتفاعا بتكفير وتجريم المنتحر، ويصل الأمر بالتوصية بعدم الصلاة عليه.
·        الانتحار والمخادعون
قبل أن أفسر مقصدي بكلمة «المخادعون» أتعرض لمفهوم متفق عليه للانتحار، والحقيقة أن التعريف أو التفسير الذي رايته جامعا لكل معاني الكلمة هو أنه «الفعل الذي يتضمن تسبب الشخص عمداً في قتل نفسه، وغالبا ما يكون اليأس هو السبب الرئيسي للانتحار، والذي كثيراً ما يُعزى إلى اضطراب نفسي مثل الاكتئاب أو الهوس الاكتئابي أو الفصام أو إدمان الكحول أو تعاطي المخدرات، وغالباً ما تلعب عوامل الإجهاد مثل الصعوبات المالية أو المشكلات في العلاقات الشخصية دوراً في ذلك».
إذا نحن أمام تفسير نفسي واجتماعي للانتحار يواجهه موقف تحريم ديني من كل الأديان الإبراهيمية على نحو ما سنرى، وهو موقف يعتقد الكثيرون وخاصة من رجال الدين أنه يغض البصر تماما عن الأسباب النفسية والمجتمعية والحياتية التي تدفع البعض للانتحار.
·        صرخات بلا مستمع
لي تجربة شخصية مع حالتي انتحار سأتعرض لواحدة منهما فقط، في أواخر التسعينيات من القرن الماضي كنت أجلس في مكتبي بجريدة الأهالي ومعي صديق طبيب بيطري هاجر بعد ذلك لكندا، ودخل علينا مواطن له شكوى نحيف أسمر يحمل وجها شاردا مرهقا مكتئبا، وتقديرا عمره ما بين الصبا والشباب، وروى لي أن أخوته سرقوا ورثه عن أبيه تاجر الذهب وتركوه مشردا في الشارع، فقلت له هذه مشكلة لا تحلها شكاوى ولن يفيد فيها النشر ونصحته باللجوء لمحامي، وخاصة أنه كان مرتبكا ويأتي بحركات عصبية، وخرج وظل يتردد على مكتبي عدة مرات وفي كل مرة أقول له نفس الكلام، وحاولت أنا وزملاء عرض مساعدة مادية عليه فأبى، كما كان يرفض توجيهه لمحام متطوع، حتى حضر في أحد الأيام وكان نفس الصديق البيطري في زيارة لي، وقال لنا أنا مسيحي وعرضت شكوتي على الكنيسة فلم تساعدني، فأنا أفكر في إعلان إسلامي والذهاب للأزهر يحل ليا المشكلة، فضحكت وقلت له، تفتكر الأزهر حل مشكلات كل المسلمين، مشكلتك مكانها ساحات المحاكم والقضاء، وفيه مسلمين كتير عندهم مشكلات زي مشكلتك وليس للأزهر أي دور فيها، وتدخل صديقي وكان أيضا مسيحيا، وقال له بحسم، يا بني لا الكنيسة ولا الأزهر حا يحلوا لك مشكلتك، أنت شخص كسول عايز حد يجيب لك حقك، روح لمحامي، وارفع قضية ولو عايز محامي أو فلوس ممكن نساعدك، إنما تقولي الكنيسة والأزهر تبقى بتهرج، وخرج الشاب أو الصبي صامتا حزينا بعد أن أغلقنا في وجهه ما كان يعتقد أنه الأمل الوحيد لحل مشكلته، وبعدها بقليل ورد لنا خبر انتحار شاب تحت عجلات المترو، وتقريبا كانت أول حالة انتحار، لنكتشف بعدها أنها لنفس الشخص الذي كان يتردد علينا.
ربما أصابنا بعض من الندم لتصورنا أننا كنا السبب أو لأننا لم ندرك حالته المنهارة، ولكن الحقيقة أن الفتى كان يتعرض لظلم وإحساس بالاضطهاد واليأس والريبة، لدرجه أنه من الممكن أن تكون روايته عن سرقة ميراثه غير حقيقية، وخاصة أن هيئته كانت فقيرة جدا، وفي نفس الوقت يرفض أي مساعدة، الحقيقة الوحيدة المؤكدة، أنه كان شخص مهمش للدرجة التي حولته لمريض، إذا فهناك سبب مجتمعي يدفع للانتحار يتعلق بحالة الإهمال التي يعاني منها الكثيرون من الصبيان والشبان، وعدم اكتمال دور كثير من الأسر في احتواء مشكلات أبنائهم بسبب الفقر والحاجة.
أقدمت كاتبة مثقفة على الانتحار مدفوعة بيأس ناجم عن صدمة إصابتها بعد رحلة نضالية طويلة لتغيير المجتمع، اكتشفت في نهايتها أنها كانت تحارب طواحين الهواء، من المسؤول عن هذا اليأس القاتل.
نادر طالب الهندسة النابغ دمث الخلق لم يتحمل قسوة الحياة والظلم الذي تعرض له أخوه ودخل بسببه السجن، كان عنده الكثير ليقوله ويصرخ به، ولم يكن محتاجا إلا لمن يسمعه، ولكن في مجتمعات الحاجة والفقر والألم والظلم، الجميع يصرخ ولا أحد يسمع، فصرخ نادر حتى وصل إلى نقطة اليأس القاتلة وكتب كلماته الأخيرة «راعوا الناس اللى نحوكم»، ويلقى بنفسه من أعلى مبني في مصر ليعلن للناس احتجاجه ورفضه للعالم الذي رفضه.
·        رجال الدين وأفيون الشعوب
حوادث الانتحار كثيرة، ودافعها الرئيسي اليأس المدفوع بعوامل كثيرة أغلبها في الدول الفقيرة المحكومة بالاستبداد والظلم، إلا أن موقف رجال الدين هو الأكثر غرابة في هذا الموضوع، فهم رجال دين انتقائين يكيفون الأديان بما يتلاءم مع مصلحة الحكم والحاكم، وبما يخفي الكثير من الحقائق التي تتعارض مع مصلحة الحكام، وهذا عهد أغلبهم منذ القدم، ومن هنا كانت مقولة الفيلسوف الألماني كارل ماركس «الدين أفيون الشعوب» والتي اجتزأها من سياقها رجال الدين أصحاب المصالح ليكفروا صاحبها ويحموا أنفسهم، والحقيقة أن الكلمة كانت موجهة لمن يخدرون الفقراء والمظلومين بالوعود والوصايا الدينية ليتقبلوا الظلم والاستبداد باعتباره قدرا لا مفر منه، ويستحق صاحبه الجائزة الكبرى بالحياة في الفردوس بعد الموت، وكان الفيلسوف الألماني يقصد تماما أن الناس لو تخلصت من تبريرات رجال الدين أو الدين بهذا المعنى السلبي لتحولت طاقتهم إلى البحث عن طرق للخلاص... ما علينا، بمجرد وضوح زيادة ظاهرة الانتحار في مصر حتى يعلوا صوت رجال الدين مكفرين المنتحر، والحقيقة أن هذا هو المعلوم بالضرورة في كل الأديان الإبراهيمية، ففي المسيحية قتل النفس التي هي في سلطان الله، هو تعدي على سلطان الله الذي له وحده السلطان في إعطاء الحياة أو أخذ النفس.. وعدم القتل كان من الوصايا العشر: «لاَ تَقْتُلْ» (سفر الخروج 20: 13). وفي القرن الخامس الميلادي تحدث القديس أغسطينوس عن أن الانتحار هو ضد الوصية السادسة، والكنيسة ترفض الصلاة على المنتحر إلا إذا كان فاقدا لعقله.
وكذلك اليهودية تعتبر الانتحار محرما يعاقب عليه الرب لتعديه حدوده
أما الإسلام فقد كان أكثر حسما في هذا الأمر فلم يحمل حكم تحريم الانتحار الاستثناءات التي حملتها أحكام الديانة المسيحية والديانة اليهودية الخاصة بالانتحار وهي الاستثناءات التي تتعلق بجواز الانتحار للحفاظ على الشرف والعفة وتجنب الاغتصاب.
والحقيقة أن موقف الأديان من أي ظاهرة لا ينبغي التعرض إليه بشكل مجتزأ عن السياق المحيط بالظاهرة، فإذا كان الانتحار دافعه الرئيسي هو اليأس فمن الأولى برجال الدين مناقشة أسباب انتشار اليأس قبل الحكم على المنتحر، وإذا كان اليأس بسبب الفقر أو الظلم أو الاستبداد، فالدور الرئيس لرجل الدين أن يتصدى لمقاومة كل هذه الشرور في المجتمع لا أن يحاسب ويكفر ضحاياها، فإذا اختار طريق التبرير للمستبد والتبرير للظلم والفساد بفتاوى عدم الخروج عن الحاكم، أو بدلالات كاذبة حول الدعم الإلهي له، فإن المنتحرين بسبب اليأس الناجم عن فسادهم وظلم الحكام ليسوا كفارا وإنما هم قتلى وضحايا لهم، ورجال الدين هم قتلتهم المأجورين من عصابات الفساد والاستبداد.
ارحمونا يرحمكم الله وتذكروا أن الله وضع الجهاد وقول كلمة الحق في وجه الحاكم الظالم أعلى المراتب، لا تدفعوا الشباب لليأس وفقدان العقل والانتحار ثم تنعتوهم بكل تبجح بالكفر.