تم نشر هذا المقال يوم الأحد11 نوفمبر 2019 على موقع الجزيرة مباشر (أدخل)
محمد منير
بشكل مباشر مقالي يتعلق بزيارة النيابة لمستشفى سجن طرة بعد يومين من صدور تقرير الأمم المتحدة عن الأوضاع السيئة التي يعيشها المعتقلون من المعارضين للنظام المصري داخل السجون، واستنطاق الأسير السياسي حازم عبد العظيم بشهادة مدح وثناء على المعاملة التي يلقاها الأسرى في السجون المصرية.
وأوضح أنني لا أستهدف انتقادا ولا تَّقْريعا ولا تَّأنيبا للسيد «حازم»، ولست بصدد تقييم شهادته داخل السجن، فلا شهادة لأسير، ولكني انزعجت من تعليقات البعض على المنتقدين لشهادة «حازم»، هذه الانتقادات التي رأت أن شهادة «حازم» يمكن أن تكون نتيجتها إجهاض الجهود والضغوط المبذولة لتخفيف المعاملة السيئة للمعتقلين المصريين داخل السجون، كما أن السيد «حازم» من حقة أن يشهد بالحق في المعاملة التي يتعامل بها هو في المعتقل، ولكن ليس من حقه أن يطلق تعميما بأن هذه المعاملة هي الأسلوب العام في التعامل مع كل المعتقلين، هذا ما دارت حوله معظم الانتقادات، والتي واجه أصحابها اعتراضات من شخوص رأت أن من حق الرجل أن يفعل أي شيء من أجل النجاة من السجن، أو الفوز بميزات معيشية داخل المعتقل، ورأى البعض من هؤلاء الشخوص، أن الرجل ربما تعرض لضغوط ما دفعته لهذه الشهادة، ووصلت التبريرات لحد قول إن الرجل كان يعيش مرفها في الخارج ولا يطيق حياة السجون!
عدة حقائق
دعونا نتناقش بقلب مفتوح في هذا الأمر دون مزايدات أو تبريرات، ولكن أولا أؤكد على عدة حقائق أولها أن الرجل معتقل في قضية سياسية أي في تهمة تتعلق بعقيدة ومبدأ، وكما تعلمنا فإن من البديهيات أن أصحاب المبادئ يعيشون دائما متوقعين المطاردات والسجون، وهو ما يخفف عنهم الضغوط إذا ما لاقى أحدهم هذا المصير، حقيقة أخرى أن المعتقلات في هذه الفترة مكتظة بالمعتقلين السياسيين من اتجاهات مختلفة وأعمار مختلفة يعيشون في ظروف أقسى من التي يعيشها الرجل، وضربوا مثلا في التحمل والصمود مؤكدين أن المعتقلات والمطاردات والظروف الصعبة لا تلين أمامها عقيدة أو مبدأ، ومن الطبيعي أن يميل العقل البشري إلى المقارنة والتساؤل هل يستوي الذين يصمدون مع الذين لا يصمدون، ولكني أؤكد بأنني لست من هواة القسوة مع أصحاب القدرات الضعيفة إذا ما تعرضوا لضغوط، بل على العكس تربى جيلي من المهتمين بالعمل السياسي والشأن العام على تقدير الظروف المحيطة بكل شخص، وهذا سيظهر بوضوح في الأمثلة والأحداث التي سأتعرض لها لتوضيح وجهة نظري.
صمود أصحاب المبادئ
شهدت فترة الخمسينيات والستينيات عنفا دمويا من سلطة العسكر (الثورية) تجاه المعارضة المدنية بكل أنواعها: الإخوان والشيوعيين والوفد، بالإضافة إلى الجماعات الفئوية وخاصة العمال، وامتلأت هذه الفترة بحكايات الشهداء من أجل التمسك بكلمة الحق وعدم التنازل عن المبدأ، منهم: من الشيوعيين شهدي عطية الشافعي، ومن الإخوان سيد قطب، ومن العمال محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري، هذا على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى المعتقلين في سجون البطش والذين تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب بنهش لحومهم بواسطة الكلاب المسعورة والجلد والكهرباء والاغتصاب، فمات منهم من مات ونجا من نجا، ولكنهم جميعا ماتوا قابضين على مبادئهم ولم يقدم أي منهم تنازلا أو استرحاما.
يقول طه سعد عثمان في كتابه «خميس والبقري يستحقان إعادة المحاكمة» التقى محمد نجيب «بخميس» وساومه بأن يخفف الحكم إلى السجن المؤبد في مقابل قيامه بالاعتراف على رفاقه العمال وإدانة حركتهم ولكن خميس رفض، وتم تنفيذ حكم الإعدام على الشهيدين «محمد مصطفى خميس» و«محمد عبد الرحمن البقري» في يوم 7 سبتمبر (أيلول) من نفس العام (1952) بسجن الحضرة بالإسكندرية تحت حراسة مشددة وسط أصوات «خميس» و«البقري» اللذين صرخا قبل الإعدام «حنموت وإحنا مظلومين». أليست هذه ضغوط كان يمكن أن يتخذها العمال الشهداء ذريعة ومبررا لنجاتهم، ولكنهم كانوا من أصحاب المبادئ والعقيدة والتمسك بكلمة الحق.
صامدون في سجون السادات
وذهب «ناصر» وبدأ أنور السادات عهده بمشهد استعراضي وهو يضرب بمعول أول ضربة لهدم سجن مصر وحرق شرائط التجسس على المواطنين، إيذانا بعهد وعصر الحريات.
ليس هذا موضوع المقال ولكن هذه الكلمات مدخل لذكر بعض مشاهد الصمود لشباب عاش أصعب أيام داخل سجون عصر الحريات وشهد تعذيب وضغوط لم يكن لها أي تأثير على صموده وتمسكه بموقفه ومعارضته لسياسة السادات الاقتصادية المنحازة ضد الفقراء، وموقفه مع إسرائيل.
حكايات الصمود داخل سجون السادات كثيرة، وفي مقدمتها موقف بنات في عمر الورد آنذاك وقفن في مواجهة السلطة الغاشمة والتعذيب والضرب في السجون، وكتب عنهن مقالا الصحفي الراحل صلاح عيسى أشاد بصمودهن في السجن، ومنهن شوقية الكردي ومديحة الملواني ونادية شكري وغيرهن من اللاتي وقفن بشجاعة وهن عزل داخل السجن في مواجهة فرقة كاملة من القوات الخاصة وهن مضربات عن الطعام، ولم يتأثرن بالضرب المبرح من فرق القوات الخاصة وخرجن منتصرات ولم يقدمن أي تنازل بل انكسر أمامهن جبروت السلطة التي تراجعت عن مواجهتهن واستجابت لمطالبهن، ولم يكن لأحد القدرة على لومهن لو قدموا أي تنازل، ولكن كانت كل واحدة منهن تتعامل بدافع التمسك بالموقف والمبدأ والعقيدة، ولهذا كان الصمود، الذي يراه رجال موقفا صعبا، بالنسبة لهن هو أيسر مواقف بجانب تمسكهن بالمبدأ والعقيدة وقول كلمة الحق.
شجاعة عبد العظيم أبو العطا
وبعد انتفاضة عام، 1977شهدت سجون السادات حالات تعذيب للشباب المعتقل بتهمة الاشتراك في الانتفاضة، ولم تهتز عقيدتهم وتمسكوا بمواقفهم، ولم يتراجعوا أو يسترحموا جلاديهم، وحتى الذين اشتد بهم التعذيب إلى حد إصابتهم بعاهات دائمة واضطروا على التوقيع على اعترافات، التمس لهم زملائهم العذر، وقدروا لهم عدم تحملهم التعذيب الذي وصل إلى حد إصابتهم بعاهات، وتراجع المعذبون عن اعترافاتهم أمام المحكمة واثبتوا أنها كانت تحت الإكراه والتعذيب، وكان هذا التراجع أحد الأسباب المهمة في فساد القضية 100 لسنة 1977 وحصول معظم المتهمين فيها على البراءة والباقي على أحكام مخففة، وهنا أتوقف عند هذا المشهد لكي أؤكد على أن هناك فرقا كبيرا بين الانهيار تحت ضغط التعذيب البدني المفرط، والانهيار بسبب افتقاد الرفاهية داخل السجن.
وانتهى حكم السادات بالاغتيال بعد قيامه باعتقال معظم المعارضين له من كل التيارات، وأتذكر منهم الدكتور عبد العظيم أبو العطا وزير الزراعة في حكومة السادات والذي كان رئيسا لحزب مصر ولما أراد السادات تحويل حزب مصر للحزب الوطني رفض الرجل، واعتقله السادات انتقاما منه لخروجه عن طاعته، وكان يمكن للرجل أن يخرج من المعتقل بسهولة بطلب استرحام بسيط وخاصة أنه من رجال النظام، ولكنه تمسك بما هو مقتنع به، حتى مات في المعتقل، وبعدها بأيام تم اغتيال السادات، مات عبد العظيم أبو العطا، من أجل التمسك بما هو مقتنع به، إنه عناد أصحاب المبادئ يا دكتور حازم.
الصامدون في سجون مبارك
هناك معتقد شائع خاطئ أن السجون السياسية وقت حكم مبارك كانت أقل قسوة من سجون الجنرال الآن.
أتذكر أن بداية علاقاتي بسجون مبارك بدأت بعد توليه الحكم بشهور، عندما وقفنا مجموعة من الشباب لنفضح قيام رجال النظام بتعذيب بعض المعتقلين اليساريين داخل سجن المرج منهم حمدي حافظ، والشاعر الراحل حمدي عيد، وعمر عبد المحسن خليل الذي ضرب أروع مثل في الصمود وتحمل التعذيب البشع من دون أن يهتز، أو ينطق، وتم القبض علينا واتهامنا بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، وانتقل المتهمون في القضية لسجن المرج، بينما تم حبس 7 فقط في سجن القلعة التابع لوزارة الداخلية وكنت واحدا منهم، وقضيت فيه شهرا كنت أسمع خلاله كل يوم أصوات وصرخات الذين يمارس عليهم التعذيب من عناصر الجماعات الإسلامية الذين تم القبض عليهم بعد اغتيال السادات، وبعد إضرابنا عن الطعام تم نقلنا مع زملائنا لسجن المرج الذي شهد تعذيب زملاء لنا، وتمت معاملتنا معاملة شديدة الرقي، ثم طلبت منا إدارة السجن أن نكتب شهادتنا بحسن المعاملة معنا، ورفضنا رغم أنها شهادة حق، ولكننا أدركنا أن المقصود بهذه الشهادة هو إفساد قضية التعذيب التي أقامها من تعذبوا في السجن ضد الضباط.
الصمود العظيم في سجون الجنرال
ومشاهد الصمود في سجون الجنرال كثيرة، تبدأ بالراحل الرئيس محمد مرسي الذي ظل على موقفه ورفض تقديم أي تنازلات يمكن أن تنجيه من السجن والمعتقل وصعدت روحه إلى بارئها وهو قابض على موقفه، مرورا بالمئات وربما الآلاف داخل السجون منذ سنوات، ولم يقدموا كلمة استرحام واحدة يمكن أن تنجيهم من عذاب المعتقل، ولكنهم ظلوا متمسكين بمبدأهم، ومنهم الوزير باسم عودة وزير التموين السابق الذي تم حجزه في زنزانة حبس انفرادي لمدة عامين، وما زال محبوسا رغم تلقيه عرضا بالتعاون مع سجانه مقابل الإفراج عنه، ولكنه تمسك بموقفه.
ومن الصامدين الدكتور جمال عبد الفتاح اليساري الصلب وكمال خليل وكلاهما قارب السبعين، ولكنهما لم يهتزا أمام ضغوط السجن، وعادل صبري الذي غيبته السجون منذ أكثر من عامين لأنه صحفي حافظ على شرف المهنة ونشر حقائق لم ترق للحاكم الظالم، وزياد العليمي وهشام فؤاد وإٍسراء عبد الفتاح، كلهم مثلك يا دكتور حازم يتمنون الذهاب لبيوتهم، ويعشقون الحرية، ولكنهم ليسوا من ساسة الاستعراضات والمصالح، فهم مقتنعون بأنه لا حرية في وطن فاقد حريته وواقع تحت قهر حكم فاشي ظالم مستبد، هم رجال وشباب ونساء أغضبتهم كل مظاهر الظلم والبطش وثارت ضمائرهم غيرة على وطن يحترق كل يوم فوقفوا عكس أمواج الظلم متحدين رياح الاستبداد وعاهدوا وطنهم وصدقوا فيما عاهدوا وهم مستظلين بقناعة أن من يركب البحر لا يخشى من الغرق، ولهذا فأصحاب المبادئ فقط هم المنتظر منهم الصمود، ومن هنا لك كل العذر.


0 تعليقات