تم نشر هذا المقال على موقع الجزيرة مباشر ( ادخل ) يوم الأحد الموافق الثامن من سبتمبر عام 2019
محمد منير
توقف أيها القارئ المتذاكي عن استنتاج موضوع المقال من العنوان، واقرأ بضمير وتركيز.
أقسم لكم بأنني لا أنوي كتابة مقالي لهدف عقائدي أو سياسي أو آيدولوچي، فبعض الأمور والأحداث تتجاوز كل هذا وتلهب إنسانيتنا وضمائرنا فننطلق بأفكارنا وكلماتنا ومشاعرنا بعيدا عن أي دافع دنيوي، أنه التجرد الإنساني.
كما أنني في حل من أن أرفق بمقالي كلمات دافعية بأنني لست إخوانيا ولا حكوميا ولا اشتراكيا، فأنا لست في محل اتهام وموقفي وحريتي ليسوا محل تحقيق أو تفتيش، ولهذا اعتبرني أيها القارئ حاملا لكل هذه الأفكار والأيدولوجيات، أو فارغا منها، الأهم هو أن تتعامل معي ومع أرائي ومشاعري وكلماتي كما هي دون تنصيف، أولا تتعامل أصلا وتريح نفسك وتعطي ظهرك لما أكتبه وأطمئن لا أنا مضار، ولا أنت.
الميت المظلوم شهيد:
هذا ليس كلامي ولا تطوع مني بفتوى، فإنا لا أملك حق الإفتاء، بل هو كلام وفتوى عالم دين رسمي نظامي حكومي سلطوي بنسبة 100 في المائة.
في يوم الثلاثاء الموافق السادس عشر من مايو (أيار) عام 2017 ومن خلال فضائية dmc التابعة للأجهزة الرسمية للدولة المصرية، خرج الشيخ خالد الجندي في برنامجه «لعلهم يفقهون» بفتوى قال فيها «ربنا سايب الظالم ليوم معلوم، ولو مات المظلوم بحسرته ومراراته، يعتبر شهيد في سبيل الله، وربنا مش هيضيع حقه، لأن النصرة الإلهية تأتى إما في الدنيا أو الآخرة».
وهكذا أفتى مفتٍ من أهلها، وأنا معه، إذاً الموضوع ليس إخوانا ولا شيوعيين ولا قوى مدنية ولا عسكرا، ولكن الموضوع يتعلق بالظلم والقهر الإنساني الذي يجعلنا ونحن نقف على أى ضفة فكرية، متفقين أو مختلفين، لأن نسأل مدفوعين بانفعال إنساني «بأي ذنب حوصر وسجن ومات منهم كمدا وحسرة آل مرسي»؟؟!!
ما عاصرته أن الرجل مثله مثلنا جميعا عقب ثورة 2011 صدق أن هناك إرادة شعبية وخاض الانتخابات وتولى منصب رئيس الدولة مدة عام أشهد أمام الله أنه لم يحكم فيها بقدر ما كان يحارب طواحين هواء الفساد التي أطلقت رياحها المشبوهة بكل قوة لإفشاله ليس بهدف القضاء عليه وعلى فرقته وحده، وإنما على كل أمل مستقبلي في أن يحكم هذا الشعب نفسه بنفسه من خلال حكم مدني، وليظل الوطن منحنيا مكسورا في حقول الاستبداد والقهر والفاشية، هذا هو المخطط الذي نجح وفشلنا في كشفه ووقعنا جميعا في فخ المؤامرة.
وغادر الرجل الحكم بفعل انقلاب وخدعة لم يكتشفها معظم المؤيدين للانقلاب إلا متأخرا، وهنا أنا أرى أن المؤامرة لا تتعلق بعقيدة الرجل أو أيدولوجيته كإخوان مسلمين، بقدر ما كانت تتعلق بمواجهة الإرادة الشعبية نفسها وكسر أي أمل للشعب في الحكم المدني، ولهذا لو كان أي مدني من أى ايدلوجية أخرى جلس على مقعد الحكم مكان الراحل محمد مرسي لأصابه ما أصاب الرجل تماما.
الفُجر في الخصومة:
وغادر الرجل وجماعته الحكم بفعل المؤامرة من جهة، وبفعل خدعة وقع فيها جزء من الشعب بسبب حالة الضبابية التي أحاطت بالمشاهد آنذاك، وكنت أنا من المخدوعين، وربما استمرت الخدعة محيطة بنا ولم نفق منها وندركها، لولا البدء السريع في الجزء الثاني من المؤامرة، والذي فرض مشاهد السجون والقتل والمطاردة على المعارضة للقضاء النهائي على أي أفكار أو رؤى تستهدف التغير والتخلص من الحكم العسكري، ولهذا شملت هذه المشاهد أبشع أنواع الحصار والتعذيب والقتل والحصار، وشملت كل التيارات السياسية في رسالة مفادها أن الأمر لا يتعلق فقط بالإخوان وإنما بكل المعارضة المصرية، وهذا يعني لأى شخص يعمل عقلة بربع طاقة أن كل مزاعم الإرهاب التي ألصقت بالجماعة لم تكن إلا حجة للنيل من الشعب المصري كله وإخضاعه للحكم الفاشي المستبد.
وفي مسار مواز نشطت الآلة الإعلامية الفاسدة بكل كوادرها القديمة منذ عهد حسني مبارك، لتبرر كل هذه الإجراءات الفاشية وانتشار الفساد والفقر والمرض والجهل بأنها ضريبة مواجهة الإخوان من خلال إخراج أعلامي هزيل وماسخ، وللأسف وقع فيه قطاع من الشعب المقهور فاستجاب لاحتراب داخلي بين الأيدولوجيات والجماعات المختلفة فرضته أجهزة مخابرات النظام لتدمر أي احتمال لوحدة شعبية تقضي على هذا الوضع البائس.
صبرا آل مرسي:
وكان الجزء الأكبر من التنكيل والحصار من نصيب الراحل محمد مرسي وأسرته التي دفعت ليس من حريتها وأمنها فقط ثمن ما رأه العسكر تجرؤ على السلطة، وإنما دفعوا الثمن وجودهم وحياتهم، فمات ربهم وحيدا في السجن بفعل الإهمال الطبي المتعمد أو بفعل أى شيء متعمد، ضاربا أكبر مثل في الصمود والتمسك بالمبدأ والعقيدة، حتى لو اختلفنا معه، وحوصرت أسرته بالشائعات تارة، والمطاردات تارة، ووصل الأمر إلى الاعتقال والسجون والمضايقات الحياتية، وكان النظام يتعمد أن يكون هذا السلوك الشاذ معلنا لكي يصبح محمد مرسي وأسرته عبرة لمن تسول له نفسه ويتجرأ على سلطة العسكر، وانتهى الأمر بموت ابنه الأصغر عبد الله ولم يتجاوز العشرينيات من عمره، وهو الأبن الأقرب لشخصية أبيه الراحل والذي وصل حزنه إلى أنه تمنى الموت ليلتقي بأبوه الذي حرمته سلطة الاستبداد منه في الدنيا، ومات الفتى بعلة أو بغير علة الأمر في ذمة التاريخ وحسابه عند مليك مقتدر، ولكن الحقيقة أنه مات محسورا مظلوما، شهيدا طبقا لفتوى شيخ السلطة الشيخ خالد الجندي، والتي قال فيها «أن النصرة الإلهية تأتى إما في الدنيا أو الآخرة»، وستأتي يقينا.
أما هؤلاء الذين ما زلوا يعتقدون بصدق أو بكذب أن ما يحدث مع مرسي وأسرته وجماعته لأنهم أخوان، أقول لهم كفاكم استحمارا لأنفسكم ولنا، ما يحدث لكل من في السجون ولكل من مات شهيدا على يد قوى البطش أو كمدا أوحسرة، ولكل من حوصر في حياته ولقمة عيشه وحريته، يحدث لأنهم مصريون أحرار جاهدوا من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، ماتوا وهم متمسكون بقول كلمة الحق في وجه الظلم والبطش والفساد.
أقسم بالله أني اكتب ما أكتبه وأنا أبكي غفلتنا وفرقتنا، تذكروا أننا نعيش في وطن واحد كمصريين نعاني جميعا معاناة واحدة ونتجرع المرار من كأس عذاب واحد فلنتحرك سويا حركة واحدة كمصريين من أجل إنقاذ ما تبقى من كرامتنا وحريتنا وحياتنا المسلوبة.


0 تعليقات